أبي حيان الأندلسي
357
البحر المحيط في التفسير
وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ : أي بوسوسته وإغوائه ، أَعْمالَهُمْ القبيحة . فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ؛ وهي طريق الإيمان باللّه ورسله . وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ : أي في كفرهم لهم به بصر وإعجاب قاله ، ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك . وقيل : عقلاء ، يعلمون أن الرسالة والآيات حق ، ولكنهم كفروا عنادا ، وجحدوا بها ، واستيقنتها أنفسهم . وَقارُونَ : معطوف على ما قبله ، أو منصوب بإضمار اذكر . فَاسْتَكْبَرُوا : أي عن الإقرار بالصانع وعبادته في الأرض ، إشارة إلى قلة عقولهم ، لأن من في الأرض يشعر بالضعف ، ومن في السماء يشعر بالقوة ، ومن في السماء لا يستكبرون عن عبادة اللّه ، فكيف من في الأرض ؟ وَما كانُوا سابِقِينَ الأمم إلى الكفر ، أي تلك عادة الأمم مع رسلهم . والحاصب لقوم لوط ، وهي ريح عاصف فيها حصا ، وقيل : ملك كان يرميهم . والصيحة لمدين وثمود ، والخسف لقارون ، والغرق لقوم نوح وفرعون وقومه . وقال ابن عطية : ويشبه أن يدخل قوم عاد في الحاصب ، لأن تلك الريح لا بد كانت تحصبهم بأمور مؤذية ، والحاصب : هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمي بشيء ، ومنه قول الفرزدق : مستقبلين شمال الشام تضربهم * بحاصب كنديف القطن منثور ومنه قول الأخطل : ترمي العضاة بحاصب من بلحها * حتى تبيت على العضاة حفالا الْعَنْكَبُوتِ : حيوان معروف ، ووزنه فعللوت ، ويؤنث ويذكر ، فمن تذكيره قول الشاعر : على هطالهم منهم بيوت * كأن العنكبوت هو ابتناها ويجمع عناكب ، ويصغر عنيكيب . يشبه تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام ، وبنائهم أمورهم عليها بالعنكبوت التي تبني وتجتهد ، وأمرها كله ضعيف ، متى مسته أدنى هامة أو هامة أذهبته ، فكذلك أمر أولئك ، وسعيهم مضمحل ، لا قوة له ولا معتمد . وقال الزمخشري : الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم ، وتولوه من دون اللّه ، مما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة ، وهو نسج العنكبوت . ألا ترى إلى مقطع التشبيه ، وهو قوله : إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ؟ انتهى . يعني بقوله : ألا ترى إلى مقطع التشبيه بما ذكر أولا من أن الغرض تشبيه المتخذ بالبيت ، لا تشبيه المتخذ بالعنكبوت ؟ والذي يظهر ، هو تشبيه المتخذ من دون اللّه وليا ، بالعنكبوت المتخذة بيتا ، أي فلا اعتماد للمتخذ على وليه من دون اللّه ، كما أن العنكبوت لا اعتماد لها على بيتها في